الشيخ محمد رشيد رضا
496
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ورواه أحمد وأصحاب السنن الا النسائي وغيرهم بزيادة عما هنا . وقد ظهر صدق الرسول ( ص ) في بلوغ ملك أمته مشارق الأرض ومغاربها وفي وقوع بأسهم بينهم ، وما زال ملكهم عن أكثر تلك الممالك الا بتفرقهم ، ثم بمساعدتهم للأجانب على أنفسهم ، وكم تألبت عليهم الأمم فلم ينالوا منهم بدون ذلك منالا ، وما بقي لهم لآن قليل ضعيف يتوقع الطامعون الاستيلاء عليه قريبا ، ونحن نرجو خذلان الظامعين ، وإقامة قواعد سنقلنا على أساس متين ، يضمنه تكافل الأمم وحفظها للسلم ولو عشرات من السنين ، لعلنا نصير في فرصتها من العالمين العاملين ، الذين يحفظون حقيقتهم بأنفسهم ، ولا يتكلمون على تنازع الطامعين فيهم ، فان هذا اتكال على أمر سلبي لا يدوم لنا ، وان كان هو الذي أبقى لنا هذا القليل الذي ذكرنا ، وبقلؤه هو مصداق الحديث على الطريقة المعتمدة في الجواب عن الدعاء برفع الخسف والقحط والغرق وغيرها في الأحاديث الأخرى ويمكن أن يجاب عن حديث ثوبان هذا بجواب آخر غير الذي يؤخذ من جوابهم عن غيره ، وغير ما أشرنا اليه آنفا في بيان صدقه ، وهو ان اللّه تعالى لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ما داموا مستمسكين بعروة الايمان الوثقى وقائمين بحقوقه ومنها الأسباب التي وعدهم اللّه تعالى النصر ما داموا مستمسكين بها ، وقد بينها لهم في كتابه وتقدم كثير منها فيما مر التفسير « 1 » ويؤيد ذلك حديث آخر عن ثوبان نفسه قال قال رسول اللّه ( ص ) « يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الاكة إلى قصعتها - فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال - بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، وسيزعن اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن - قال قائل : يا رسول اللّه وما الوهن - قال حب الدنيا وكراهية الموت » رواه أبو داود في سننه والبيهقي في دلائل النبوة « 2 »
--> ( 1 ) أنظر كلمة نصر في فهارس أجزء التفسير يراجع ما تشير اليه أرقامها ( 2 ) في عنده أبو عند السّلام صالح ابن رستم الهاشمي قال أبو حاتم فيه مجهول وقال الذهبي روى عنه ثقتان فخفت جهالته . ويوشك معناه يقرب . وتداعى أصله تتداعى أي تجتمع أو تتابع وأصل معناه يدعو بعضها بعضا . والاكلة كفعلة جمع آكل وروى بصيغة اسم الفاعل أي الجماعة الآكلة . والغثاء بالضم ما يحمله السيا ويلقيه من الزبد والعيدان ونحوها ، والوهن الضعف أو شدته ، والسؤال عن سببه وانما سببه حب الحياة الدنيا ولذتها وايثارها على الجهاد في الدفاع عن -